الانفتاح القطري على القارة الأفريقية

إعداد/ د. مصطفى إبراهيم سلمان الشمري

جامعة بغداد / مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية

[email protected]

تحتل القارة الأفريقية أهمية جيوبوليتيكية خاصة فهي عقدة الربط بين قارات العالم، إذ تسيطر أفريقيا على حركة المواصلات العالمية بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، كما تتوسط الممرات الملاحية بين القارات الخمس فهي تطل على: مضيق جبل طارق، وقناة السويس، ومضيق باب المندب، ورأس الرجاء الصالح، ولها امتدادات طبيعية في غاية الأهمية من حيث كونها تطل على المحيطين الهندي من الجهة الشرقية والاطلسي من الجهة الغربية، ناهيك عن البحار والخلجان والجزر الطبيعة ذات الأهمية الاستراتيجية، فضلًا عن ذلك فان القارة الأفريقية غنية بالثروات الطبيعية.

ومن هنا أدركت دولة قطر أهمية القارة الأفريقية فعملت على مد جسورها مع دول القارة الأفريقية، مستثمرة بذلك قوتها الناعمة المتمثلة بإمكاناتها المالية الضخمة والدبلوماسية والاعلامية لتوظفها في صالح مشاريع متنوعة، فضلاً عن دور مؤسساتها الخيرية في تقديم المساعدات لبعض دول القارة.

وعليه سوف نتناول الموضوع باختصار ضمن المحاور الاتية:

أولاً- محاور العمل القطري في القارة الأفريقية هي:

  • المحور الإنساني:

تعد دول القارة الأفريقية من أكثر دول العالم التي تمر بأزمات إنسانية متتالية من جفاف وامراض وأوبئة وأوضاع سياسية وأمنية غير مستقرة افرزت العديد من المشاكلات الإنسانية وغيرها، وقد أدركت قطر عمق الاحتياجات الإنسانية لدول القارة، ومن هنا نشطت مؤسسات قطر الخيرية وفي مقدمتها الهلال الأحمر القطري الذي أسهم في توفير الاحتياجات الأساسية من الرعاية الصحية والمواد الغذائية والمياه والمخيمات، وبناء المساجد، ودعم المدارس الإسلامية والمراكز الصحية، للعديد من دول القارة الأفريقية، ولاسيما التي تشهد صراعات مسلحة، وعليه مثلت مؤسسات قطر الخيرية أدوات قوتها الناعمة تجاه أفريقيا.

وفي هذا الخصوص أعلنت مؤسسة عيد الخيرية في العام 2015، انها نفذت خلال عشرين عامًا (886) مشروعًا إنشائيًا في مجال التعليم داخل أفريقيا بكلفة بلغت قرابة (244) مليون ريال، واحتل السودان النصيب الأكبر منها، إذ ان المشاريع القطرية المنفذة في السودان منذ العام 2007 بلغت أكثر من (10) الاف مشروع بتكلفة تجاوزت (210) ملايين ريال قطري شملت مجلات متنوعة، فضلاً عن ذلك أنشأت قطر مدارس تعليمية في (23) دولة أفريقية.

  • المحور السياسي:

لا تقف أهمية القارة الأفريقية عند حد العوامل والثروات الطبيعية بل أسهمت العوامل السياسية بدورها أيضًا، فعدد الدول الأفريقية بحدود (55) دولة، ولها حضورها في المنظمات الدولية، مما له أهمية في نسبة التصويت حيال أية قضية، وهذا مؤشر مهم على مدى أهمية كسب ود الجانب الأفريقي لأغراض سياسية، ومن هنا أدركت قطر أهمية الثقل السياسي للقارة الأفريقية.

وفي الواقع ان موضوع التحرك القطري في القارة الأفريقية متشعب ومعقد ويعود ذلك إلى الدبلوماسية النشطة التي اتبعتها قطر في القارة الأفريقية، ويساعدها في ذلك إمكاناتها المالية الضخمة، وقد نشطت الدبلوماسية القطرية في القارة الأفريقية عن الطريق التركيز على مسألة حل النزاعات، وتبني الوساطات بين الفرقاء السياسيين منها على سبيل المثال دور قطر في إبرام اتفاقية سلام بين جيبوتي وإريتريا في 6/6/2010، لتسوية النزاع الحدودي بينهما، بل أرسلت قوة حفظ سلام قطرية إلى المنطقة الحدودية المتنازع عليها، كما كونت قطر علاقات استراتيجية بإريتريا، وبعد ان استأنفت علاقاتها باثيوبيا بعد قطيعة (2008 – 2012) عملت قطر على توقيع خمس مذكرات تفاهم مع الحكومة الإثيوبية في العام 2013.

ومن الجدير بالذكر ان الدبلوماسية القطرية اعتمدت استراتيجية مهمة وهي توثيق علاقاتها السياسية بالدول الأفريقية، لا سيما المحورية منها فمن المعروف ان كينيا وإثيوبيا تمثلان دول محورية لمنطقة شرق أفريقيا، كما تعد جنوب أفريقيا دولة محورية في جنوب القارة الأفريقية، وهذا ينطوي على تعزيز حضور قطر السياسي في أفريقيا، ولهذا كانت هذه الدول محطة مهمة للزيارات الرسمية لكبار المسئولين القطريين، وفي هذا الخصوص زار أمير قطر الشيخ (تميم بن حمد آل ثاني) كُلاً من إثيوبيا وكينيا وجنوب أفريقيا في نيسان/2017، بهدف توثيق العلاقات السياسية معها ولتنمية الاستثمارات القطرية في هذه الدول.

  • المحور الاقتصادي التنموي:

مثل العامل الاقتصادي والتنموي أبرز مجلات الانفتاح القطري على القارة الأفريقية، وفي الواقع فان قطر قدمت الكثير من الجهد والمال لصندوق دعم التنمية في أفريقيا، وفي هذا الخصوص أكد جهاز قطر للاستثمار أنه أنفق قرابة الـ(30) مليار دولار في مشروعات متعددة داخل القارة الأفريقية، مما حث الدول الأفريقية إلى عقد اتفاقات استثمارية مع قطر، وأما مجالات التحرك الاقتصادي والتنموي القطري فهي متعددة منها الزراعة والتعدين والمواصلات، والاستثمارات النفطية، ومن ابرز الدول التي تتركز فيها الاستثمارات القطرية فهي: السودان وإريتريا والصومال وجزر القمر وكينيا واثيوبيا وليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وموريتانيا.

  • المحور الإعلامي:

مثل العمل الإعلامي أهم ركائز التحرك القطري في أفريقيا، واحتلت قناة الجزيرة القطرية الصدارة في هذا المجال، ولهذا تم إطلاق محطة ناطقة باللغة السواحيلية تستهدف قرابة (100) مليون نسمة في مناطق جنوب وشرق أفريقيا معنية بالأحداث في القارة الأفريقية.

مما تقدم يتضح ان قطر وضفت جميع ادواتها (الإنسانية، والسياسية، والاقتصادية التنموية، والإعلامية) بتنسيق كبير ومدروس.

ثانياً- أثر الازمة الخليجية على توجهات قطر الأفريقية:

القت الأزمة الخليجية بظلالها على بعض الدول الأفريقية، فقد شهدت بعض الدول الأفريقية حراك دبلوماسي من قبل بعض أطراف الازمة ولاسيما السعودية بهدف تحريض الدول الأفريقية على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، أو حتى خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي فيها، وبالفعل استجابت بعض هذه الدول لهذه الضغوط، لاسيما وان تفاعلات الازمة كشفت عن مدى أهمية أفريقيا إذ كانت المجال الحيوي الذي نفذت منه قطر بعد ان احكمت أطراف الازمة (السعودية والامارات والبحرين ومصر) حصاراها ضد قطر، ولعل أبرز الدول التي قطعت علاقاتها بقطر هي حكومة شرق ليبيا وجمهورية المالديف وجمهورية موريشيوس وتشاد.

بناء على ما تقدم يمكن القول ان القارة الأفريقية تعد بمثابة المجال الحيوي لدولة قطر إذ وجدت فيها الفضاء الواسع الذي يمكن عن طريقها لعب دورها السياسي، وفرض نفسها كلاعب مهم في مجال العلاقات الدولية، وقد عوضت عن الضعف الذي تعانيه قطر في المجال الجغرافي والسكاني، بالإمكانات المالية والإعلامية والدبلوماسية، علمًا ان الازمة الدبلوماسية التي مرت بقطر سوف تؤثر بلا شك على دور قطر المستقبلي في هذه القارة، ذلك ان الدول التي بادرت إلى قطع العلاقات معها لاسيما السعودية ومصر هي دول فاعلة ومحورية ولها حظوتها الإقليمية والدولية، وبالتالي فان الانفتاح القطري وتواجدها الواضح في أفريقيا سوف ينحسر شيئاً فشيئاً ما لم يتم التوصل إلى تسوية لهذه الازمة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *