بقلم/ د. أكرم المنقوش
العلاقة بين مصر وليبيا ليست مجرد علاقة جوار جغرافي، بل هي ترابط عضوي يمتد لآلاف السنين، تحكمه أبعاد استراتيجية، واقتصادية، واجتماعية تجعل من البلدين عمقاً حيوياً لبعضهما البعض فالتاريخ المشترك له جذور ممتدة.
اذا تعد العلاقة بين البلدين من أقدم العلاقات في التاريخ الإنساني:
• العصور القديمة: شهدت مصر القديمة تداخلاً كبيراً مع القبائل الليبية، ووصل الأمر إلى اعتلاء الأسرة الثانية والعشرين (الليبية) عرش مصر، وأشهر ملوكها شيشنق الأول.
• الروابط القبلية: تمتد القبائل العربية على طول الحدود الغربية لمصر والشرقية لليبيا، مما خلق نسيجاً اجتماعياً واحداً (مثل قبائل أولاد علي)، حيث لا تزال المصاهرة والقرابة هي المحرك الأساسي للعلاقات الشعبية.
• البعد الاقتصادي والنفطي: الرؤية الحالية
في ظل التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، تبرز ليبيا كشريك استراتيجي أساسي لمصر في قطاع الطاقة لعوامل كثير منها:
1. القرب الجغرافي وتكلفة النقل
الاعتماد على النفط الليبي بدلاً من مصادر جغرافية بعيدة يوفر تكاليف الشحن والتأمين بشكل ضخم. خطوط الأنابيب أو الناقلات عبر المتوسط تجعل الوصول للنفط الليبي أسرع وأقل تكلفة مقارنة بنفط الخليج أو مناطق أخرى.
2. تكامل البنية التحتية
• مشروعات الربط: هناك حديث مستمر عن تطوير خطوط أنابيب تربط الحقول الليبية بمحطات التكرير المصرية.
• الخبرات المصرية: تمتلك مصر قطاعاً قوياً في الخدمات البترولية والهندسة، وهو ما تحتاجه ليبيا لإعادة تأهيل حقولها، مما يخلق معادلة (النفط مقابل الإعمار والخبرة).
3. العمالة وإعادة الإعمار
تعتبر ليبيا السوق الأهم للعمالة المصرية، والشركات المصرية هي الأقرب للمشاركة في مشروعات إعادة الإعمار، وهو ما يمثل توازناً اقتصادياً؛ حيث تصدر مصر الخدمات والعمالة وتستورد الطاقة.
ومع ذلك، فإن هذا المشهد الذي يزخر بالفرص الواعدة في قطاع الطاقة والربط الاستراتيجي، لا يبدو مفروشاً بالورود؛ إذ يصطدم بطموحاته جملة من التحديات الهيكلية والأمنية التي تتطلب إرادة سياسية صلبة لتجاوزها، وتحويلها من عوائق إلى نقاط انطلاق جديدة منها علي سبيل المثال:
• استقرار الإنتاج: يعتمد هذا التوجه على استقرار الحالة السياسية والأمنية في ليبيا لضمان تدفق الإمدادات بشكل مستدام.
• جودة التكرير: تتوافق أنواع الخام الليبي (مثل خام السدرة) بشكل جيد مع قدرات التكرير في المعامل المصرية، مما يسهل عملية الاعتماد عليه فوراً.
“وإذا كانت الجغرافيا قد فرضت التعاون النفطي كضرورة ملحة، فإن استدامة هذا التعاون مرهونة بتنقية الأجواء وتذليل العقبات أمام المواطن الليبي والمصري على حد سواء، مما يستوجب وضع ملفات السجناء والمستثمرين والطلبة على طاولة التنفيذ الفوري.”
1.ملف الطلبة والتعليم
يمثل الطلبة الليبيون في الجامعات المصرية جسرًا ثقافيًا ومستقبليًا. تحريك هذا الملف يتطلب:
• تسهيل الإجراءات الإدارية: تقليل التعقيدات المتعلقة بالإقامات الدراسية وتجديدها.
• المصروفات والمنح: الوصول لتفاهمات بشأن الرسوم الدراسية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية، وتفعيل البروتوكولات التي تعامل الطالب الليبي بميزات تفضيلية تعكس خصوصية العلاقة.
2. ملف الجالية الليبية والإقامات
تعتبر مصر البيت الثاني لآلاف الأسر الليبية. التحدي الأكبر هنا هو الاستقرار القانوني:
• تسهيل التأشيرات والإقامات: تبسيط إجراءات الدخول والخروج والربط بين الأجهزة الأمنية في البلدين لتسريع وتيرة الموافقات.
• الخدمات الصحية والاجتماعية: ضمان وصول أفراد الجالية للخدمات الأساسية بيسر، مما يعزز شعورهم بالأمان والانتماء.
3. ملف المستثمرين والتبادل التجاري
لكي تكون مصر بديلًا أو شريكًا في تعويض نقص الإمدادات (كالنفط)، يجب أن تكون البيئة الاستثمارية جاذبة ومحمية:
• حماية الاستثمارات: تفعيل الاتفاقيات المشتركة التي تحمي رؤوس الأموال الليبية في مصر والمصرية في ليبيا.
• حل النزاعات المجمّدة: تسوية الملفات المالية العالقة لشركات أو مستثمرين من الطرفين منذ سنوات، وهو ما سيعطي دفعة ثقة هائلة للسوق.
4. ملف السجناء والموقوفين
هذا الملف هو الأكثر حساسية من الناحية الإنسانية والسياسية:
• اللجان القانونية المشتركة: تفعيل دور اللجان القضائية للنظر في قضايا الموقوفين في كلا البلدين.
• اتفاقيات تبادل السجناء: العمل على تفعيل اتفاقيات تسمح للمحكومين بقضاء عقوباتهم في بلدانهم بالقرب من ذويهم، مما يبرد فتيل أي احتقان شعبي.
لماذا الآن؟
تحريك هذه الملفات ليس “رفاهية”، بل هو ضرورة استراتيجية للأسباب التالية:
• بناء الثقة: لا يمكن بناء تحالف نفطي أو اقتصادي متين بينما توجد ملفات إنسانية عالقة تسبب توترًا في الرأي العام.
• المنفعة المتبادلة: استقرار الجالية والمستثمرين الليبيين في مصر يعني ضخ سيولة وتحريك للسوق المصري، وفي المقابل، تسهيل حياة المصريين في ليبيا يعني تأمين العمالة اللازمة للإعمار.
الخاتمة:
إن رغبة مصر في التوجه نحو النفط الليبي ليست مجرد “بديل اضطراري”، بل هي عودة للمسار الطبيعي للعلاقات الجيوسياسية. فليبيا تمثل “العمق الاستراتيجي” لمصر، ومصر تمثل لليبيا “المنفذ والسند الاقتصادي”، مما يجعل التكامل في ملف الطاقة حتمية تفرضها الجغرافيا والتاريخ قبل السياسة.
اذا يجب أن يسير بالتوازي مع “دبلوماسية حل المشكلات” للمواطن العادي. إن نجاح الحكومة في إغلاق هذه الملفات العالقة سيجعل من التحالف المصري الليبي نموذجًا للتكامل الإقليمي الحقيقي وليس مجرد صفقات تجارية عابرة.